محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
290
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
شجرتين وإثبات ضدّين . فتكون قصّة آدم وحوّاء وإبليس والجنّة والشجرة مطابقة للكلّي والجزئي ، والروحاني والجسماني ، والأمري والخلقي ؛ ومن غرق في بحر الكونين لم يطمع في شطّ ؛ ومن تعالى إلى ذروة قاب قوسين لم يخف من حطّ . وسرّ آخر : أنّ الشرائع والأديان من آن آدم - عليه السلام - إلى القيامة مبنيّة على مثال تلك الجنان المفروغ عنها ، بل وكلّ شخص من أشخاص دور الكشف منه عالية ، قطوفها من العلم الحقّ ، والعمل الخير دانية ؛ وكلّ ما في الجنّة من النعم الموصوفة في القرآن فهي في الدين والشريعة موجودة ؛ وفي ذات ذلك الشخص من خصال الخير حاصلة . مفتاح الجنّة لا إله إلّا اللّه ، الرضا باب اللّه الأعظم ، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه كنز من كنوز الجنّة ، الجنّة تحت أقدام الأمّهات ، إلى غير ذلك من محاسن الشريعة . وكلّ عمل وقول هو خير وصدق وتحميد وتسبيح ، فهو بذر لشجرة في الجنّة . قال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - : « رأيت الخليل إبراهيم - عليه السلام - ليلة المعراج ؛ فقال لي : إنّ الجنّة قيعان ؛ فقل لأمّتك يبعثوا إليّ بذورها فأخزنها لهم ، فقلت : وما هي ؟ قال : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر » 507 وكلّ نبيّ في زمانه آدم وكلّ آدم فله جنّة أسكن فيها ، وزوج ليسكن إليها ؛ وإبليس هو عدوّ من المجرمين والشريعة جنّة روحانية ( 126 آ ) في دار جسمانية ، والنبيّ جنّة جسمانية في عالم روحاني ، وكتابه شجرة علوية في عالم سفلي أصلها في السماء وفرعها في الأرض ، كما أنّ الشجرة السفلية أصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء ، ودرجات الجنّة مراتب أشخاص [ الكمال في ] دور الكمال ، ودركات النار مراتب أشخاص النقص في دور الكمال ، وآدم شخص مستأنف في عالم المفروغ ، والمصطفى - عليه السلام - شخص مفروغ في عالم المستأنف ، وإبليس ليس بمستأنف ولا مفروغ ، وليس بوجود محقّق ؛ فيكون من أحد العالمين وداخلا في أحد الحكمين ، شيء لا شيء ، لا موجود ولا معدوم ، ولا حيّ ولا ميّت ، ولا عالم ولا جاهل ، ولا قادر ولا عاجز ، وأقبح الاسمين أولى به ؛ فإنّ المؤمن هو الشيء والكافر هو اللاشيء ، والنار تتشخّص أيضا بشخص ، كما أنّ الجنة تشخّصت بشخص ؛ وأحوال النار من الجحيم والحميم والصديد والزقّوم والظلّ الغير ظليل والعين الآنية والضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع مشبهة